قصص | يوم أشهب - زكريا تامر

 

قصص | يوم أشهب - زكريا تامر

قصص | يوم أشهب - زكريا تامر

 يوم أشهب - زكريا تامر


تمرن شكري المبيض مع زملائه في السجن تمارين رياضية لا تخلو من عنف، غايتها الحفاظ على سلامة صحته، فأدت إلى إصابة جسمه بالكثير من الرضوض والكدمات والجروح، ومـارس شكري المبيض هوايته في شوي الكستنـاء الفاكهة المفضلة لديه، فأحرقت النار أصابع يديه وقدميه وظهره وصدره وبطنه، وحاول شكري المبيض حلاقة ذقنه صباحاً بينما كان منهمكاً في الاسـتماع إلى ما يقدمه مذياعه من نشرات أخبار وأغان، فأخطأت يده اليمنى الممسكة بموسى الحلاقة، ولم تخلص جلد الوجه من شـعر لا لزوم له، وذبحت بحركة طائشة العنق من الوريد إلى الوريد، فنُقل شكري المبيض تواً إلى أفضل مستشفى، وهناك حاول الأطباء إصلاحه، فعجزوا، ووضعت جثته في كيس من قماش متين، وسلمت إلى سيارة توزع الموتى يومياً على بيوت أهاليهم، ولم يواجه سائقها أية مشقة في الاهتداء إلى بيت أهل شكري المبيض، ولكنه بوغت به خالياً منذ شهور، فأبوه مقبوض عليه بتهمة التشرد والتسول، وأخوه يحاكم لسطوه على أموال الدولة، وأمه مسجونة لاعتدائها الشـفوي على أعراض نساء محترمات، وأخته معتقلة لأنها تتعمّد ألاّ تعبر عن فرحها أو حزنها.


وسأل سائق السيارة الجيران عن أقرباء شكري المبيض، فأخبروه أن عمه هاجر إلى أميركا وخاله وأبناء خاله وبناته إلى كندا وابن خالته إلى أستراليا وخالته تعمل خادماً بدبي، فسأل السائق عن عناوين أصدقائه، ولكن كل الذين قيل عليهم إنهم من أصدقاء شكري المبيض أقسموا شاحبي الوجوه أنهم ليسوا بأصدقائه، ولم يتبادلوا معـه كلمة واحدة، ولو رأوه اليوم مصادفة لما عرفوه، فخجـل شكري المبيض من السائق، وانتهز فرصة انشغاله بشراء خضروات وفاكهة طلبتها زوجته، ولاذ بالفرار، واختبأ في بيت أهله منتظراً عودتهم ليدفنوه مطلقين الزغاريـد ابتهاجاً بخروجه من السجن.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -