قصص | سعيد منتسب : قبو مرايا الغابة

 

قصص | سعيد منتسب : قبو مرايا الغابة

قصص | سعيد منتسب : قبو مرايا الغابة *

قبو مرايا الغابة


فتح عينيه، فشعر بألم ممض في فخذه اليمنى، وبين كتفيه. المرايا في كل مكان، أطل على وجهه، كان شاحبا، وعيناه متعبتان. ولما كان لا يليق بضابط عسكري أن يصرخ، انشغل عن كل ذلك برائحة الفئران التي تملأ هذا المكان القذر الذي سجنوه فيه. كيف تركوه في هذا القبو الغابوي مع المرايا وغادروا؟


المخرج على علو ثلاثة أمتار، ولا أدراج لهذا القبو الذي يشبه برج غواصة. تذكر كيف جرجروه عبر طرق غابوية صغيرة وملتوية تكسوها الأعشاب. وضعوا عصابة على عينيه، وتركوه يغرق في دمه، ثم رموه في هذا المكان، وانصرفوا. كانت المقنبلات تحلق فوق الغابة، والجنود كانوا يذرعون المسالك الضيقة بدربة كبيرة. لا ينظرون إلى الأعلى إطلاقا، ولا يعيرون اهتماما لقهقهات الرصاص. يتقدمون في الأوحال، ويبحثون عن سبب مباشر للاشتباك مع العدو.


مرت عشر دقائق حين فتحت طاقة القبو على مصراعيها، وتدلى منها حبل. لم يكن قادرا على التحرك. أراد أن يصرخ، لكنه لا يريد أن يلفت نظر أحد إلى اشتداد الألم عليه. أطل رجلان قرويان عاريان، ونزلا بسرعة لإخراجه. حملاه إلى فرجة بين الصخور وأسندا ظهره. ناولاه جرعة ماء، وطلبا منه أن يحكي لهما عما رآه في المرايا. أخبرهما أنه كان يخوض في أحد السبل المؤدية إلى القاعدة العسكرية، حين باغته جنود وضربوه بأعقاب بنادقهم على رأسه. لم ير سوى أحذيتهم الممزقة وسراويلهم الرثة.. ثم رموه في حفرة بعمق ثلاثة أمتار:


"كنت فاقدا للوعي، لكني شعرت بأني يقظ تماما، وأتألم، لا يمكنني تفسير ذلك. هذا غير منطقي. ثم رأيت مرايا بأزرار كبيرة تدور حولي، كأنها وحوش تحدق بنهم وتأن في طريدتها. كنت غارقا في بقعة دم انتشرت تحتي إلى حد بعيد، لكنها جفت. ثم شعرت بأن عيني تغوصان في شيء مظلم يأتي من عمق المرايا. غالبت ضعفي، ولمحت ذلك الشيء: جثة امرأة مغطاة بورق الجرائد. سرت نحوها ببطء، وبرجلين ترتجفان، انتبهت إلى أنني أستطيع الوقوف. هل تعلمون ماذا وقع؟ استيقظت تلك المرأة فجأة، وتقدمت نحوي لتدلق على رأسي دلوا من الماء البارد. قالت لي: "أريدك أن تعيش". لا شيء منطقي في ما أحكيه، لكن المرايا تراجعت إلى الخلف، واستقرت في الجدار، ورأيت في عيون تلك المرأة صورة أمي وهي تمنحني مفتاحا لإنهاء شعوري بالندم.. أنا نادم على هذه الحرب، نادم على الرصاص، نادم على القتلى".


من مجموعته القصصية الصادرة حديثا "قبو إدغار آلان بو".


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -