قصص : المهارشة | زكريا تامر

 


almuharashat


قصص : المهارشة | زكريا تامر

المهارشة | زكريا تامر


اشتهرت حارة قويق بين الحارات الأخرى بأغنيائها الذين يقتلون أمهاتهم إذا كان القتل سيكفل لهم الحصول على مزيد من المال، واشتهرت بأطفالها المشاكسين الذين يجلسون في المقاهي ويدخنون النراجيل، ويغزون الحارات الأخرى ولا يتركون زجاج شباك يفلت من رجم حجارتهم، ولا يجرؤ بائع خضراوات جوال على دخول حارتهم لأنه سيخرج منها حاملاً باقي خضرواته على ظهره لا على ظهر حماره، ولو كانوا يحفظون دروسهم المدرسية مثلما يحفظون الشتائم المقذعة لكانوا أنجب التلاميذ في العالم بأسره.


واشتهرت حارة قويق برجالها الغلاظ المرحبين بالمشاجرات الدامية ودخول السجون أمثال خضر علون الذي قطع أذنه اليسرى في المحكمة أمام القاضي وأكلها متلذذا وجاسم القزاز الذي يسرق الكحل من العين ومحمود الجسر الذي يملك خنجراً يئن متعباً من كثرة الأجسام التي طعنها.


واشتهرت حارة قويق أيضاً بنسائها الجريئات الوقحات الشرسات السليطات اللواتي لاذ حياؤهن بالفرار منهن منذ سنين طوال ولم يعد إليهن ثانية. ولكن أم علي كانت أكثرهن شهرة على الرغم من أنها طاعنة في السن ومجرد أرملة فقيرة، مات زوجها تاركاً لها ابنة كبرت وصارت أجمل صبية في الحارة، يشتهيها كل أعزب ولا يجرؤ على الزواج بها حتى لا تصبح حماته أم علي التي لو كانت رجلاً لما خرجت يوماً من السجن.


وفي ظهر يوم، كانت أم علي تمشي في سوق حارة قويق عابسة الوجه، مرفوعة الرأس، وخطاها واسعة سريعة لا تتناسب مع عمرها، فخرج أبو سليم الحلاق من دكانه، ولحق بها مهرولاً وهو يناديها بصوت لاهث: "أختي أم علي".


فتوقفت أم علي عن المشي فجأة حين بلغها صوته، واستدارت إليه كأن عقرباً لسعها، وقالت له بصوت غاضب: "ألا تستحي من التكلم مع امرأة لا تعرفها؟ من قال إني أختك وأنت أخي؟ واحدة مثلي لا يشرفها أن يكون لها أخ مثلك حلاق".

فقال أبو سليم: "لا حول ولا قوة إلا بالله ! اسمحي لي بكلمة صغيرة".

فقاطعته بصوت ساخر: "لا تتعب نفسك واطمئن.. لن أحلق إلا في دكانك حين ينمو شعر ذقني".

قال أبو سليم: "اليوم صباحاً ذهبت إلى منزل نجيب بيك البقار، وحلقت ذقنه".

قالت أم علي وقد تجعد وجهها اشمئزازاً: "هنيئاً لك بهذا الشرف الرفيع".

قال أبو سليم: "كلمني البيك ورجاني إبلاغك رغبته في رؤيتك لأمر ضروري".

قالت أم علي: "البقار البقار؟ أليس هو ذاك الذي يسكر ليل نهار؟".

قال أبو سليم بصوت يحاول كظم غيظه: "لسنا أمه، وله رب يحاسبه في الآخرة".

قالت أم علي: "وماذا يريد مني جناب البيك؟".

قال أبو سليم: "والله لا أعرف. أنا أنقل إليك ما قاله بالضبط، وما على الرسول إلا البلاغ".


وهرول أبو سليم عائداً إلى دكانه، وعادت أم علي إلى مشيتها السريعة تتساءل عما يريد منها نجيب البقار أغنى رجل في حارتها، ولما مرت بالقرب من باب بيته الفخم ازداد فضولها، ووجدت نفسها تدق الباب، وتخبر خادمة فتحت الباب لها أن البيك طلبها، فأدخلتها الخادمة غرفة الضيوف، وذهبت متعجلة، ولم تمض دقائق حتى دخل نجيب البقار غرفة الضيوف مرحبا بأم علي كأنها صديقته منذ أيام الطفولة وكانا يلعبان معا، ورجاها أن تجلس، وجلس قبالتها، وسألها باهتمام عن صحتها وصحة ابنتها، فقالت له أم علي بنزق: "اسمع. لا وقت لدي لطق الحنك الفاضي. قل ما عندك باختصار وبلا لف ودوران".

قال نجيب البقار ببطء كأنه يزن كلماته كلمة كلمة: "أعرف أنك امرأة فقيرة محتاجة".

قالت أم علي: "لم آت إلى بيتك لأشحذ".

فقاطعها نجيب البقار قائلاً بصوت مستنكر: "أعوذ بالله وحاشاك".

قالت أم علي بصوت نافد الصبر: "ماذا تريد مني؟".

قال نجيب البقار: "أتعرفين خضر علون؟".

قالت أم علي: "من لا يعرفه؟ أعرفه وأعرف أن كل أهل الحارة يخافون شره ويتجنبونه، ولكني لا أخافه ولا أحبه ولا أطيق هيئته الغلط".


 

فبدا السرور على وجه نجيب البقار، وقال لأم علي بصوت فرح: "نحن إذن متفقان، وأنا مثلك لا أطيق التراب الذي يمشي عليه هذا الطبل المتكبر، وأشتهي أن أراه مرة واحدة قبل موتي واقفاُ في الحارة مذلولاً مهاناً، ولا أحد غيرك في الحارة يصلح لهذه المهمة، وسأعطيك كل ما تطلبينه".


وأخرج يده من جيبه ممسكة برزمة من النقود الورقية، وقدمها لأم علي التي قالت له: "لا لا ... أنا مستعدة لبهدلة خضر علون مجاناً".

فضحك نجيب البقار، وقال لأم علي: "أعجبني جوابك، وسيزيد المكافأة".


وأضاف إلى رزمة النقود الورقية رزمة أخرى، وقدمها لأم علي قائلا: "ثقي بأنك ستخدميني خدمة لن أنساها طول حياتي".

فدست أم علي النقود الورقية في حقيبة يدها، وسألها نجيب البقار: "أتشربين شاياً أم قهوة؟".

فأجابت أم علي: "لا وقت لدي للسفاسف".

 


وحدث ما كان مخططا له، وتواجهت أم علي مع خضر علون في سوق الحارة المكتظة بالناس، فتحرشت به مستهزئة، فقال لها باستعلاء واحتقار: "امشي في طريقك يا امرأة".

ففتحت أم علي حالاً أبواب جهنم، وقذفته بحممها وسمومها، فوقف قبالتها حائراً عاجزاً عن الإقدام على أي فعل، فلا يليق برجل مثله أن يضرب امرأة، فابتلع الإهانات له ولعائلته ولماضيه وحاضره ومستقبله وهو ساكت، أزرق الوجه، مطأطئ الرأس، ولم يفه بكلمة واحدة، فتوقع أهل الحارة أن يحرق مجهول ذات ليلة بيت أم علي، ولكن بيتها ظل سليماً، وتوقعوا أن تختطف ابنتها الصبية الجميلة وتغتصب وتعاد إليها بعد أيام مجللة بالعار، ولكن الابنة ظلت كعادتها تتسكع في الحارة برشاقة غزال، وتوقعوا أن تتعرض أم علي لحادث غامض يسفر عن هلاكها، ولكن أم علي لا تزال بكامل صحتها يرتفع صوتها عاليا في أرجاء الحارة مرددا المنتقى من سبابها الحانق.


وكانت أم علي تحرص على كتمان حسرة طاغية لكونها لم ترزق ابناً، وأحبت ابن أختها الذي كان شابا وديعاً في مقتبل العمر، وتحس أنها لو كان لها ابن لأحبته أقل مما تحب سليمان، ولا تقبل أن يمر يوم من دون أن ترى سليمان الذي اعتاد أو يزورها كل مساء ملبيا دعواتها الملحاحة، وأتى في إحدى الأماسي كعادته، وسهر عندها ساعات، وودعته في آخر السهرة، ووقفت وراء الشباك العلوي المطل على الحارة تتابعه بنظرات حانية، فرأت في الظلام شبح رجل يشبه خضر علون ينقض على سليمان بخنجره منهالاً عليه بالطعنات المتلاحقة بينما كان سليمان يصيح إثر كل طعنة بصوت باكٍ متوسل: "دخيلك يا عمي دخيلك".


فلم يبال الخنجر بالدم المتناثر ولا بصوته المستجدي، واستمر في الطعن بقسوة تتزايد، ولهثت أم علي كأن رئتيها تطلبان هواء غير موجود، وعرفت أول مرة في حياتها ثلج الرعب، وأرادت أن تبكي وتصيح وتولول، فاختنق صوتها وتلاشى، وانهارت على الأرض كأنها كأس زجاجية وارتطمت بأرض صلبة وتحطمت وتناثرت قطعاً صغيرة. ومنعت في المستشفى من رؤية جثة سليمان، وقيل لها إن جسمه المطعون بالخنجر كان كغربال كثير الثقوب، وادعى خضر علون لرجال الشرطة أنه كان في وقت حدوث الجريمة يسهر مع أكثر من عشرين رجلاً، وكلهم شهد بأنه كان جالساً معهم ولم يفارقهم لحظة واحدة، وأقام نجيب البقار حفلة عشاء دعي إليها أكثر من خمسين رجلا احتفالاً بنجاة خضر علون من اتهام ظالم كان سيودي به إلى حبل المشنقة أو البقاء في السجن مدى الحياة، ومشت أم علي في جنازة سليمان مرتدية الثياب السود المصممة على ألا تخلعها، وشهدت حفار القبور يحمل جثة سليمان الملفوفة بكفنها ويغيبها في حفرة القبر المظلمة، وعجزت عن ذرف دمعة واحدة، وأمست كتلة لحم مترهلة لا تتوقف عن الأنين المتحشرج، تمشي في حارة قويق زائغة النظرات، مترنحة، ظهرها محني، ورأسها يتأرجح بين كتفيها غير مبال بالأعين الشامتة، تزور كل يوم المقبرة، وتجلس الساعات الطوال بين القبور منصتة بدهشة واستغراب لأصوات خفية تسمعها وحدها وتزيد أنينها.


وما حدث لأم علي خلّص حارتها من الخوف منها، وتكاثر عدد الطامعين في الزواج بابنتها.

 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -