قصة قصيرة : القط | أرماندو ألمانثار رودريغيث

قصة قصيرة : القط | أرماندو ألمانثار رودريغيث


قصة قصيرة : القط | أرماندو ألمانثار رودريغيث

ترجمة صالح علماني


نقطتان فوسفوريتان تترصّدان من الجزء العلوي من السطح؛ أمامهما يمتدّ استواءُ السطح تحت ضوء النجوم الخافت، مغطّى بأوراق شجر وورق مجعّد ومتعفّن بفعل المطر والطقس. الحيوان يقبَع مسترخياً، يكاد لا يتحرّك؛ عيناه لا تَحيدان عن الركن المقابل من السطح، ذلك الرّكن الذي تتكوّم فيه عدة قِطع خشبية قديمة ومنخورة. وفجأة، توتَّرت عضلاتُ القطّ، تحوّلت إلى نوابض ثابتة، متأهبة للانقضاض: عيناه مسلَّطتان بإصرار أكبر على الفجوة من قطعتي خشب... كان رأسُ الفأر يُطِلّ من هناك، متحرِّكاً بخفّة من جهة إلى أخرى، كما لو أنه ينتظر ما يمكن أن يحدُث. لقد بدأ صبرُ القطّ يعطي ثمارَه، أخيراً سيخرج الحيوان المتهرّب، إنه يقرر مغادرة الملجأ الآمن في جحره بحثاً عن طعام؛ ها هو هناك، إنه يخرج...


- وأخبِريني يا عزيزتي، كيف كانت لعبة الكاناستا  هذه؟

رنَّ الصوتُ بقوّة؛ هذا الصوت وفيض نور مائل إلى الصفرة انبثَقا فجأةً، ودون سابق إنذار، من النافذة المفتوحة في الطابق الثاني المطلّ على السطح؛ وقفز الفأر بالتزامن متراجِعاً الخطوات القليلة التي كان قد تَقدَّمَها، واندسّ من جديد في الجحر.

استَرخَت عضلاتُ القطّ بينما عيناه تترصّدان النافذة وأُذناه تتحركان بخفّة.

- آه! أنت تعرف كيف هي هذه اللقاءات يا إرْنِستُو. لعب كاناستا، وبعض كؤوس الكُوكْتيل و... نميمة، أجَل، كثير من النمائم...

- أجل، النميمة فوق كل شيء يا عزيزتي؛ لا يمكن لها أن تغيب عن اجتماع.. بين نساء..

مستطيلُ الضوء الذي تُسقِطه النافذة يمتدّ على السطح، حوافُّه البعيدة غائمة وغير منتظمة، وأبعد منها، يواصل القطّ رابضاً بِراحة، عضلاتُه مسترخِية؛ عيناه تَضيقان قليلاً حين ينظر من خلال الضوء باتجاه ركن القِطع الخشبية المظلم.

- وهل كانت حاضرة زوجةُ ألبيرْتُو يا عزيزتي..

جاء الصوتُ في هذه المرّة أكثر بُعداً، وعمقاً.

- إيزابيل؟ لا، لم تستطع الذهاب.

سُمعَـت خرخرةٌ قويّة حين ألحّ الصوتُ النائي والعميق، الأجشّ؛ والتفَت القطُّ ببصره نحو النافذة، ورَمَش عدة مرّات.

- هل كان اللعبُ في بيت خوليان؟

- أجل... لا... لم يكن في بيت خوليان.

هبَّت نسمةٌ خفيفة من جهة الشمال. كانت عينا القطّ تلمعان في الظلام، وهو ينتظر بصبر...

- إذن... أين لعبتُم يا ماريا؟

صوتُ الرّجُل يُسمَع الآن أكثر قوة ووضوحا، على الرغم من أنّ نبرتَه قد انخفضَت بصورة جليّة.

- في بيت آمالْيا.

امتدّ ظلُّ متطاولٌ فوق المستطيل حين قطَعت هيئة الرجُل النافذة؛ راقَب القطُّ الظِلّ، ثم الهيئة السوداء في النافذة، وتحرّك بخفّة فوق قائمتيه المبطنة جزعا.

- ظننتُ أنكِ قلتِ لي مِن قبلُ إنّك ستذهبين إلى بيت خُوليان.

- أجل، أجل، كنّا سنذهب إلى بيت خوليان، ولكنّهنّ بعد ذلك فقط قرَّرنَ.. فضَّلْن بيتَ آماليا؛ فهو مريح أكثر، أتعرِف؟

انزلَق الظلُّ المتطاول فوق الضوء، مندمِجاً في ظلمة بقية السطح.

- لحسن الحظ أنّكُنّ لم تَذهبْن إلى بيت خوليان...

- ولماذا تقول هذا؟

تَقوَّسَ ظهرُ القطّ بينما أُذناه تتحرّكان في الاتجاهين؛ طرطقة خفيفة صدرت عن الأخشاب.

- لأنني كنت على وشك الذهاب إلى هناك عند خروجي من الاجتماع... كنت سأقوم بمشوار غبي... أليسَ كذلك يا... عزيزتي؟

وصَلَت كلماتُ المرأة إلى السطح بدورها منطفئة بعضَ الشيء، غيرَ واثقة:

- أجل... بالطبع يا إرنِسْتو... بالطّبع..

- هكذا يا عزيزتي، هكذا، مشوار بلا جدوى... لأنك... لم تكوني في بيت خوليان... أليس كذلك؟

كان ظهرُ الهِرّ مقوِّساً تماماً، عضلات قوائمة مشدودة كنوابض فولاذية، عيناه مسلَّطتان على الركن المقابل، حيث أطلَّ من جديد أنفُ القارِض المتشمِّم، متحرِّكاً بعصبية من جهة إلى أخرى...

- لا، لا... كيف أكون هناك ما دمت... ما دمت ألعَبُ في بيت آماليا...

ارتفع الجسدُ بخفّة على القوائم، ببطء...

- ولكن، لتعرفي... بما أنني لم أكن متأكِّداً من المكان الذي تلعبن فيه، قررتُ الاتصال ببيت... آماليا، لكي... أستعلِم...

تحرَّك القطُّ بحرص إلى الأمام، خطوتين، ثلاثاً، أربع خطوات؛ وكان الفأرُ قد تقدَّم، في جري عصبي، اجتاز مسافةً لا بأس بها ما بين أوراق الشجر والورق المتعفِّن.

- أيوه... أتعرف يا إرنِسْتو، لم أكنْ أريد أن أخبرك، ولكننا لم نذهب للعب... الواقع أننا ذهبنا إلى بار وتناولنا بعضَ الكؤوس... مجرّد حماقة. أعرف أنه يجب عليّ عدم فعل ذلك دون إذن منك... ولكن هذا... ولهذا لم أخبرك...

- أجل، مجرد حماقة... ومع ذلك، كانت سيارتك عند مدخل بيت خوليان...

قائمتا الهرّ الأماميتان تقلَّصَتا بقدر ما كان ذيلُه يتقوَّس متصلِّباً؛ وكان الفأرُ يتشمَّم نواةَ مانجُو قديمة، ويُخربِش على الأرض بقائمتيه.

- ولكن... إرنِسْتو، ألستَ تفكِّر بأنني...

- لا... يا عزيزتي، لستُ أفكِّر بأي شيء خبيث عنك، مستحيل؛ إنني أُخبِرك، إنني متأكِّد، متأكِّد تماماً...

تَحرَّك الجسدُ المرِن إلى الوراء، دون أن يُبعِد قوائمه عن الأرض..

- لا يا إِرنِسْتُو، لا، لا أعرف كيف تظنّ ذلك، إنّك مخطئ... ما الذي ستفعله يا إِرْنِستُو؟ ما...؟

اجتازَت لطخةُ ظِلٍّ سريعة مستطيلَ الضوء.

- لا، لا، أرجوك!

جسدُ الفأر الضئيل يرتعش متشنِّجاً، وحين دوت الولولةُ الحادّة، رفعَ القطُّ رأسَه.. والتمَعَت عيناه وهما تعكسان ضوءَ النّافذة.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -