قصة قصيرة : رغباتٌ في الغضب | خوان خوسيه ميّاس

قصة قصيرة : رغباتٌ في الغضب | خوان خوسيه ميّاس


قصة قصيرة : رغباتٌ في الغضب | خوان خوسيه ميّاس

ترجمة أحمد عبد اللطيف، مراجعة محمد النصار



     لم تكن أمي تسمع الراديو إلا لتتفق أو تختلف مع ما تسمعه. كل ما كانت تسمعه كان صالحاً لتُصالح الواقعَ أو لتنتقم منه. لم تكن تعرف الأمور الوسط. لذلك لم نكن في البيت نسمع الموسيقى الكلاسيكية، إذ كان من الصعب جدا أن تكون مع أو ضد ما تقوله الموسيقى الكلاسيكية. في المقابل، كانت تنتقد أبطالها بلا شفقة لأنهم يُغرمون بمن لا يناسبهم. وهذا ما حدث لها، إذ إنها أحبت أبي الذي كانت تعشقه في أيام وتكرهه في أيام أخرى. وأبي لم يعرف أبداً لماذا كانت تعشقه أو تكرهه بالتعاقب، لكن بما أن الخبرة علّمته أن كل ما يقوله كانت تستخدمه ضده، راح يقلل كل يوم من حديثه. حتى إنه في سنواته الأخيرة لم يكن يقول شيئاً، لكن حتى الصمت كانت أمي تستغله لتتشاجر معه:

     - نعم، نعم، أنت لا تقول شيئاُ، لكني أعرف جيدا ما تفكر به، وأقول لك إنه حماقة.

     مع ذلك، كانت تستخدم صمت أبي في أحيان أخرى لتعطي لنفسها الحق.

     - أفهم، لأن السكوت علامة الرضى، أنك موافق على أن نُصيِّف هذا العام بالقرب من الجبل.

     وعندما اشترينا تلفزيونا، حافظت معه على نفس علاقتها بالراديو، لم تضف إلا أدلة بصرية إلى الأدلة الشفوية.

     - لكن اُنظر إليه، إنه أبله. يقول أشياء ذكية للتشويش على بلاهته، لكنه لن يخدعني لأن الوجه مرآة الروح.

     وتعلّم أبي أن يشاهد التلفزيون بحيادية يقف لها شعر المرء. كان يبدو أنه يشاهد شيئا آخر، شيئا غير مرئي لبقية الفانين.

     - لكن هل تشاهد ما نشاهده؟ كانت أمي تسأله.

     ولم يكن يجاوبها. لم يجاوبها قط. كنت أتغذى معهما يوما في الأسبوع، وكانت تذهلني صلابة أبي، وكانت تبدو لي جديرة بالإعجاب. قد بلغتْ عملية التجاهل أن يقلعَ عن التدخين، أن يهجر السيجارة التي كانت في سنواته الأخيرة الشيء الواقعي الوحيد الذي يرتبط به بيأس ما. وباتت أمي، التي قضت حياتها تلومه على التدخين، تنتقده لأنه أقلع عن التدخين. بل وباتت هي، مَن كانت تكره التدخين، مُدمنة للمارلبورو، وكانت تنفخ الدخان في وجهه لتغريه. أعتقد أن أبي هجر التدخين كسلاً، وأنه توقف عن الكلام كسلاً، وأنه لم يكن يتحرك عن الكنَبة كسلاً. فكرتُ في أحيان كثيرة أنه لن يموت كسلاً. على أي حال، بما أن البيولوجيا تقوم بمهمتها في الموت، فذات يوم بعد الغذاء، بدأ في الاحتضار دون أي مقدمات من أي نوع. سألته أمي إن كان بخير، فأجابها إجابة قاطعة، ومات.

     - أنت لا تخدعني ـ قالت أمي ـ أعرف عن يقين أنك مُتَّ.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -